Sheikh Muhammad Al Ameen As-Shanqeeti- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي سيرته المختصرة

الشيخ العلامة الأصولي الفقيه المفسر محمد الأمين الشنقيطي ودوره في التفسير

قديما قيل : من ترجم لشخص كأنما أحياه. إذا كان هذا الشخص له صلة متينة بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فكأن الترجمة له خدمة للكتاب والسنة ، مثل هذا الشخص كمثل شخصية الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله أحد العلماء الجهابذة الذين استقروا في السعودية واتخذوا العلم والعمل مطية ودرسوا في الحرمين الشريفين للشيخ (رحمه الله) من التلاميذ ما لا يعد ولا يحصى، بل هم الذين يتولون أهم المناصب والمراتب في السعودية الآن، أبرزهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله) مفتى ديار السعودية سابقا وغيره كثير والله أعلم بعددهم ولولا خشية الإطالة لسردتهم سردا. سوف أستعرض في هذا المقال ترجمة الشيخ الشنقيطي(رحمه الله) والتعريف بدولة شنقيط وعلمائها أولا ثم أتبعه التعريف بتفسيره المسمى اضواء البيان ومميزاته ثانايا ثم أعززهما بالمناذج من تفسير اضواء البيان ثالثا. أسال الله التوفيق والسداد وبه أستعين.

ولادته ونسبه ونشاته

ولادته: ولد الشيخ (رح) عام تسعة وعشرين وثلاث مائة وألف للهجرة (1329) عند ماء يسمى"تنبه" من أعمال مديرة "كيفا" من القطر المسمى بشنقيط وهو دولة موربتانيا الإسلامية الآن.

نسبه: هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي أحمد بن المختار من أولاد أولاد أوبك وهذا من أولاد كرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكن الأبر جد القبيلة الكبيرة المشهورة المعروفة بالجكنيين ويعرفون بتجكانت. ويرجع نسب هذه القبيلة إلى قبيلة حمير الشهيرة في اليمن.

نشأته: نشأ الشيخ رحمه الله يتيما قال الشيخ (رح) عن نفسه : "توفى والدي وأنا صغير أقرأ في جزء عم وترك لي ثروة من الحيوان والمال وكانت سكناي في بيت أخوالي وأمي ابنة عم أبي وحفظت القرآن على خالي عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم بن أحمد نوح."يحسن بنا أن نعرف في هذا المقام عن بلاد شنقيط وعلماءها وحبهم للعلم والتحصيل وتفانيهم فيهما وقوتهم في الحفظ وحدتهم في الذاكرة وعلو كعبهم في شتى العلوم والفنون، نحن في الشرق نغفل عنهم كثيرا، ما وقفت على أي كلام لعلماء الهند فيهم لذا يتحتم علي كهندي أن أعرفهم لعلمائنا اختصارا.

دولة موريتانيا:

مورتانيا أو الجمهورية الإسلامية الموريتانية، دولة تقع في غرب أفريقا على شاطئ المحيط الأطلسي، يحدها من الشمال كال من المغرب والجزائر ، السنغال من الجنوب، ومالي من الشرق والجنوب. هذه الدولة تسمى قديما شنقيط ولا زالت منظقة من مناطق الدولة تعرف بهذا الاسم.

الشناقطة وملكة الحفظ:

من أبرز مزاياهم مزية ملكة الحفظ، سأكتفى بنقل بعض ما كتبه الشيخ محمود الشنقيطي بهذا الصدد لأن أهل مكة أدرى بشعابها.

لهم ملكة حفظ نادرة، وطاقة ذهنية عالية جعلتهم بفخرون في ثقة واعتزاز بقدراتهم على استذكار عشرات الكتب، وجعلت العلامة سيدي محمد بن العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي رحمة الله (ت.165 هــ) يقول: (إن علوم المذاهب الأربعة لو رمي بجميع مراجعها في البحر لتمكنت أنا وتلميذي ألْفَغّ الديماني من إعادتها دون زيدٍ أو نقصان، هو يحمل المتن وأنا أمسك الشروح)،

وجعلت العلاّمة محمد محمود التّرْكُزي ـ رحمه الله ـ ت عام (1322هـ) يزهو بحافظته متحدياً الأزهريين بأنه أحق بإمامة اللغة والاجتهاد فيها منهم؛ لأنه يحفظ القاموس كحفظه الفاتحة، فاستبعدوا ذلك وعقدوا له مجلساً بالأزهر، فكان كما قال، فأقرّوا له وصاروا يصححون نسخهم من نسخة التركزي ـ رحمه الله ـ المحفوظة في صدره

فمن ذلك ما ذُكر في ترجمة العلاّمة عبد الله بن عتيق اليعقوبي ـ رحمه الله ـ، (ت عام 1339هـ)، أنه كان يحفظ لسان العرب لابن منظور وكان الغلام في قبيلة "مُدْلِشْ" يحفظ (المدوّنة) في فقه الإمام مالك قبل بلوغه، وكانت توجد في قبيلة (جكانت) ثلاثمائة جارية تحفظ الموطأ فضلاً عن غيره من المتون، وفضلاً عن الرجال، ولهذا قيل: (العلم جكني)

وروي عن الشيخ سيد المختار ابن الشيخ سيدي محمد ابن الشيخ أحمد بن سليمان (ت 1397م) حِفظ كثير من كتب المراجع مثل: فتح الباري، والإتقان للسيوطي، غير المتون والكتب التي تُدرّس في المحظرة

ومن نوادر نساء الشناقطة في قوة الحفظ ما حدّث به العلاّمة محمد سالم بن عبد الودود أن أمه مريم بنت اللاّعمة كانت تحفظ القاموس، وقد استوعبته بطريقة غريبة، حيث كان والدها يرسلها من حين لآخر إلى خيمة أحد علماء الحي تنظر له معنى كلمة في القاموس ـ وكان هذا العالم ضاناً بنسخته لا يعيرها ـ فكانت البنت تحفظ معنى الكلمة وتعود بها إلى والدها وهكذا حتى حفظت مادة القاموس كلها- هذه بعض النماذج ومن أراد البسط في الموضوع فليراجع ما كتبه الشيخ محمود بن محمد المختار الشنقيطي في رسالة التي هي بعنوان " لماذا الشناقطة يحفظون"

ولهم في الحفظ وسائل وطرق:

أولا : التعليم الزمري أو ما يسمى بلغة المحاضر(الدولة)

وهو دراسة جماعية يشترك فيها مجموعةمن الطلبة متقاربي المستويات يقع اختيارهم على متن واحد يدرسونه معا، حصة حصة، يتعاونون على تكراره واستظهار معانيه، يتحاجون فيه ، وينشط بعضهم بعضا على المواصلة والاستمرار ومدافعة السآمة والملل.

ثانيا: تقسيم المتن إلى أجزاء

ثالثا:وحده المتن واستيفاؤه

رابعا: صياغة المتن المنثور نظما.

خامسا: تركيز هم على بداية الحفظ والمراجعة المستمرة للمحفوظ.

سادسا: حفظ النص قبل الحضور إلى الشيخ ليشرحه.

سابعا: لا يحفظ الطالب إلا ما يحتاج ويمارسه حياته من العلوم الأبواب في الفن.

ثامنا: تأثر البيئة بالحركة العلمية.

تاسعا: عقد مجالس للمذاكرة والإنشاد والألغاز في العطلة المحضرية.

عاشرا: اغتنام لحظات السحر في تثبيت الحفظ.

طلب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (رح) للعلم :

حفظ القرآن كاملا وهو في العاشر من عمره وأخذ الإجازة في قراءة نافع عن ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق وهو قد بلغ من العمر ستة عشر عاما ودرس أثناء تلك القراءة بعض المختصرات في الفقه على مذهب الإمام مالك كرجز ابن عاشر، كما درس الأدب مع شيئ من التوسع على زوجة خاله، وأخذ عنها إضافة إلى الأدب: مبادئ النحو كالآجرومية وبعض التمرينات، كما أخذ عنها بتوسع: أنساب العرب وأيامهم، والسيرة النبوية، الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي.

كل ذلك حصله في بيت أخواله !! وقد اخذ عن غيرهم الفقه المالكي من مختصر خليل والنحو من ألبية ابن مالك وغيرها، والصرف والأصول والبلاغة وشيئا من الحديث والتفسير. أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فكان تحصيله لها عن طريق المطالعة.

همة الشيخ رحمه الله يضرب بها المثل وهذه الواقعة تنم عن ذلك، يقول الشيخ رحمه الله جئت للشيخ في قرائتي عليه، بشرح لي كما كان يشرح، ولكنه لم يشف ما في نفسه على ما تعودت، ولم يرو لي ظمئي ، وقمت من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إرالة بعض اللبس، وإيضاح بعض المشكل، وكان الوقت ظهرا، فأخذت الكتب والمراجع، فطالعت حتى العصر، قلم أفرغ من حاحتين فعاودت حتى المغرب فلم أنته أيضا،فاوقد لي خادمي أعوادا من الحطب اقرأ على ضوئها كعادة الطلاب وواصلت المطالعة وأتناول الشاهي الأخضر كلما مللتأو كسلت والخادم بجواري يوقد الضوء حتى انبثق الفجر وأنا في مجلس لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام وإلى أن ارتفع النهار وقد فرغت من درسي وزال عني لبسي ووجدت هذا المحل من الدرس كغيرة في الوضوح والفهم..

علم الشيخ(رح) غزير واطلاعه واسع جدا وقد جباه الله ذكاء مفرطا وحافظة نادرة وهمة عالية فسخر ذلك كله في تحصيل العلم وجمعه بمختلف فنونه وصنوفه من عقيدة وتفسير وحديث واصول وعربية... وكان كلامه في العلم يشد كل من سمعه حتى يخيل للسامع أن الشيخ(رح) أفنى عمره في ذالك الفن ولا يحسن غيره!

لقد صدق رحمه الله حينما قال" لا توجد آية في القرآن إلا درستها حدة"

وقال : "كل آية قال فيها الأقدمون شيئا فهو عندي"

ولما قال له أحد الأشخاص " إن سليمان الجمل- صاحب خاشية الجمل على الجلالين- لم يقل هذا : " قال أحلف لك بالله أني أعلم بكتاب الله من سليمان الجمل بكذا ; لأني أخذت المصحف من أوله إلى آخره , ولم تبق آية إلا تتبعت أقوال العلماء فيها , وعرفت ما قالوا" وكان رحمه الله يحفظ من أشعار العرب وشواهد العربية الآلاف المؤلفة من الأبيات كما كان يحفظ أكثر أحاديث الصحيحين وألفية ابن مالكومراقي السعود والفية العراقي وغير ذلك من المنظومات في السيرة النبوية وغزوات والأنساب والمتشابه من الفاظ القرآن وشيئا من المتون في الفقه نثرا ورجزاً

كان رحمه الله سني المعتقد وسلفي المنهح.

مما ينجم عن علو كعبه في الفقه والتفسير ما قاله عن نفسه في ما معناه إنني درست مختصر خليل دراسة كاملة متقنة لو درست القرآن الكريم مثله لأنتجت إنتاجا كثيرا. هذا من باب الهضم والتوضع وإلا الشيخ (رح) لقد أنتج إنتاجا كثيرا في التفسير.

علماء عصره يمحدونه:

قال فيه الشيخ محمد بن إبراهيم مفتى المملكة العربية السعودية سابقا: ملئ علما من رأسه إلى أخمص قدميه " وقال أيضا : هو آية في العلم والقرآن واللغة وأشار العرب. وقال عنه الشيخ ابن باز مفتى المملكة العربية السعودية سابقا: من سمع حديثه حين يتكلم في التفسير، يعجب كثيرا من سمع علمه واطلاعه وفصاحته وبلاغته، ولا يمل سماع حديثه.

وقال عنه العلامة الألباني محدث العصر الشهير: من حيث جمعه لكثير من العلوم، ما رأيت مثله وشبهه بشيخ الإسلام ابن تيمية" وقال الشيخ بكر أبو زيد رئيس المجمع الفقهي بجدة وإمام المسجد النبوي سابقا: لو كان في هذا الزمان أحد يستحق أن يسمى شيخ الإسلام لكان هو وكان متقللا من الدنيا، وقد شاهدته لا يعرف فئات العملة الورقية.

وقال الشيخ حماد الأنصاري أحد أعضاء التدريس بالجامعة الإسلامية سابقا: له حافظة نادرة قوية ويعتبر في وقته نادرا.

للشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرم المكي، صاحب الصوت الندي الندي وصاحب القول البليغ الصفي رسالة بعنوان "منهج الشيخ الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام من اضواء البيان " التي نال بها شهادة الماجستير عام 410 هــ في جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

سفره إلى الحج واستقراره في المدينة المنورة:

كان خروجه من بلاد شنقيط لأداء فريضة الحج وعلى نية العودة وكان سفره برا كتب فيه رحلة ضمنها مباحث جليلة كانت آخرها مبحث القضايا الموجهة في المنطق مع علماء أم درمان بالمعهد العلمي بالسودان.

وبعد وصوله إلى هذه البلاد تجددت نية بقائه. ولعل من الخير وبيان الوقاع ذكر سبب بقائه: لقد كان في بالاده كغير يسمع الدعابة صد هذه البلاد باسم الوهابية إلا أن بعض الصدق قد تغير من وجهات النظر "وإذا اراد الله أمرا هيأ له الأسباب" من عجيب الصدف أن ينزل رحمه الله في بعض منازل الحج بجواز خيمة الأمير خالد السديري دون أن يعرف أحدهما الآخرر وكان الأمير خالد يبحث مع جلسائه بيتا في الأدب وهو ذواقة أديب وامتد الحديث إلي أن سالو الشيخ لعله يشاركهم فوجدوا بحرا لا ساحل له، ومن تلك الجلسة وذاك المنزل تعدلت الفكرة بل كانت تلك الخيمة بداية منطلق لفكرة جديدة وأوصاه الأميرإن هو قدم المدينة أن يلتقى بالشيخين عند الله الزاحم رحمه الله والشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله. وفي المدينة التقى بهما رحمه الله وكان صريحا معهما فيما يسمع عن البلاد وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة.

Back